نخبة من الأكاديميين
26
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الثاني من القرن الخامس الميلادي ، وكان المنعطف الأول ، قد انبثق منه العنصر الأساسي في تكوّن مكة الدور ، ممثلًا بالحنيفية المتّصلة ببناء « البيت » في عهد إبراهيم « 1 » ، والتي أعطت الحاضرة تميّزها في شبه جزيرة العرب ، وشرعيتها القيادية بين القبائل ، فضلًا عن سوقها المركزية التي تدين لوجود « البيت » فيها . والمنعطف الثاني تمثلّه المرحلة « الخزاعية » التي استبدلت بالحنيفية ، العبادة الوثنية على يد عمرو بن لحي الخزاعي « 2 » ، إذ أشارت المرويات إلى علاقات مبكّرة له ببعض القبائل المقيمة في أعالي الحجاز حتى جنوب الشام ، حيث داهمه مرض في البلقاء ( الأردن ) ، ورأى خلال وجوده قوماً يتعبّدون للأصنام ، فاستهوته الأخيرة لبساطتها ، وما لبث أن درج وقومه عليها بعد عودته إلى مكة « 3 » . وبعد ثلاثة قرون على حكم خزاعة ، كان المنعطف القريشي الأخير ، المتأثر بالحقبة السالفة ، من دون أن ينقطع كلياً عن الحقبة الأولى ، مكتنهاً بعض ملامحها ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بدءاً من « الإيلاف » حتى « حلف الفضول » . وإذا كان « البيت » قد أكسب قريشاً موقعها الفريد بين القبائل العربية في شبه الجزيرة ، فإن « الإيلاف » الذي ورد ذكره لاحقاً في السياق القرآني ، دفع بهذا الموقع إلى نطاقه الأكثر اتساعاً وشمولًا ، ليصبح ظاهرة المرحلة في التاريخ القديم . ولم يكن ذلك ممكناً بهذه الدينامية ، لولا براعة قريش في التعامل مع القوى الدولية والأقليمية ، وفي تحييد تجارتها عن الصراعات السياسية والحربية ، التي طالما شهدتها المنطقة المحيطة بها . وكان الحياد ، في الواقع ، لا يزال من تقاليد قريش ، ونهجها الذي التزمته أساساً إزاء القبائل ، ولم يحدث ما يخّل به ، إلا في حالات التعرض لأمن تجارتها « المقدسة » ، قداسة « البيت » ، كما جرى في « حرب الفجار » التي تُردّ صفتها هذه إلى أن القبائل ربطت بين قريش وتراثها الديني ، وبين التجارة بما تمثّله في حياتها الاقتصادية « 4 » ، مستنكرةً أي اعتداء على طرقها الحيوية ، لا سيما وأن الحرب السالفة دارت في الأشهر الحرم ، بين قريش ومعها كنانة وبين قبيس من عيلان « 5 » . ولكن هذا الحياد كان يتعثّر أحياناً ، بفعل الضغوط التي تفرضها السياسات الخارجية ، على غرار موقف البيزنطيين الذين وجدوا في الحجاز وتجارته الرائجة ، عمقاً لنفوذهم الإمبراطوري في مواجهة الفرس ، لا سيما بعد توغّل هؤلاء في اليمن في أعقاب جلاء الأحباش عنها . فقد بدا أن البيزنطيين اتجهوا حينذاك إلى الاستغناء عن « الحاجز » الغساني « 6 » ، والاستعاضة عنه بآخر ( مكة ) أكثر بُعداً وحصانة ، بما يكفل لهم مراقبة حركة أعدائهم باتجاه الشمال ، ويتيح لهم احتواء تجارة قريش في الوقت عينه . ولم تكن الحرب الخيار المفضل للبيزنطيين في هذا السبيل ، فقد تفادوا هذا الأسلوب من قبل ، لما رأوه من فشل المحاولات السالفة ، وإنما تطلعوا إلى هيمنة ، ربما غير مباشرة ، على حاضرة الحجاز ، عبر اصطناع أحد رجالات قريش وإعداده لهذه المهمة . وكان ذلك تاجراً من بني أسد بن عبد العزّى « 7 » ، الفرع الأكثر احتكاكاً بين قبيلته بالعقيدة المسيحية ، وهو عثمان بن الحويرث الذي أقام وقتاً في الشام ، وغادرها متنصراً إلى مكة « 8 » ، وحاملًا معه تعليمات القيصر وكتابه « المختوم في أسفله بالذهب » « 9 » ، وقد حملت الرواية المنسوبة إلى الزبير بن بكّار تفصيلًا عن ذلك ، وفيها أن ابن الحويرث « كان يطمع أن
--> ( 1 ) المسعودي ، المصدر السابق ج . 2 ص . 18 - 19 . ( 2 ) الكلبي ، الأصنام ص . 9 . ( 3 ) المكان نفسه . ( 4 ) رضوان السيد ، الأمة والجماعة والسلطة ص . 25 . ( 5 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ج . 1 ص . 168 - 169 . ( 6 ) فولدكه ، أمراء غسان ص 49 . ( 7 ) اليعقوبي ، المصدر السابق ج . 1 ص . 257 . ( 8 ) ابن إسحاق ، المصدر السابق ص . 116 115 انظر من هذا السياق : Lammens , H , L'Arabie Occidentale avaqnt l'Hegire P . 38 - 39 . ( 9 ) الفاسي ، شفاء الغرام ج . 2 . ص 109 .